هل الحب مساحة طمأنينة أم ساحة قلق؟

شاهدت مسلسلًا في يومين متتاليين نصحتني به صديقة وقالت لي بينما كنا نتكلم عنه: في شي غريب بالشخصيات بتحسيها مثالية أو ما في منها بالحياة الطبيعية. لكن هناك شيء مريح يجعلك تشاهد المسلسل للنهاية.
وشعرت وأنا أشاهد أن الشخصيات ليست مثالية، ليس بمعنى أنها لا تخطئ بالأقل. أشخاص يحبون بعضهم/ن، بينهم/ن علاقات متداخلة ومكركبة أحيانًا، يخطئون مع بعضهم وأنفسهم أحيانًا ولكن هناك شيء من الاطمئنان في وجودهم.
يمرون بأوقات حزن وتردد، ضياع وعدم قدرة على التعبير. ولكن تبقى هناك حالة من الاطمئنان، ليس هناك في المسلسل حالات انهيار أو بكاء هستيري أو ثقة/ عدم ثقة مطلقة. يتأرجحون بين حالات مختلفة ولكنهم ينجحون بشكل ما في إعادة التوازن، وتصحيح الأخطاء دائمًا. يحتضنون بعضهم في لحظات الخطأ، يتشاجرون بانسيابية ثم قبلة ويكملون نهارهم. وبهذا المعنى ربما كان مثاليًا.
بالصدفة قرأت منذ فترة محادثة بيني وبين حبيب سابق وشعرت أنني مدهوشة من مستوى الاطمئنان الظاهر في المحادثة رغم أن ما فيها حديث عادي عن يوميات صغيرة؛ ليس هذا ما أذكره الآن عن العلاقة بالزبط. لا أتفاجأ لأنني أراها اليوم بشكل مختلف، ولكن ما يفاجئني أنني عندما أتذكر نفسي في تلك الأوقات أعتقد بشكل ما أن مستوى القلق في رأسي حينها كان أعلى بكثير من ذلك الظاهر في المحادثة.
يقول جيجك عندما يُسأل عن الحب أنه يشبه الشعور وكأننا في حالة سوء حظ، طفيلي بحجم وحشي، حالة طوارئ دائمة تخرب كل متعة صغيرة.
ربما هذه ليست أفضل ترجمة لما قال ولكن كل الترجمات الممكنة لن توحي إلا بأن في الحب حالة دائمة من القلق. يجتاح الحب يومياتنا ويدمر الحالة التي كنا نعيش فيها قبله ليغير شكل حياتنا. هذا ما يحدث، تصبح حياتنا وأفكارنا وخيالاتنا متمحورة حول شخص وشعور مختلف. وكل ما كان في حياتنا قبله من أصدقاء وعائلة واهتمامات سيأخذ شكلًا ومكانة مختلفة.
كم ستدوم إعادة التشكيل؟ لا أعرف ربما شهر وربما مدى الحياة بالنسبة لبعض الناس.
تحمل الشهور الأولى من علاقات الحب الكثير من لحظات المتعة ولكن أيضًا القلق. تفكير بالآخر وقلق مما سيظن عنا وقلق من مشاعره تجاهنا وقلق من مستقبل ما يحصل. هل ما نظهر من اهتمام كاف؟ هل هو فائض أم قليل؟ آلاف الأسئلة الأخرى، كل سيسألها بحسب تموضعه.
متى تصل لحظات الاطمئنان؟ وهل تصل حقًا؟ من يعيش الطمأنينة في الحب؟ ومن يعيش حالة الطوارئ الدائمة؟
عندما نشعر بالأمان في علاقة ما، نكف عن محاولات الابهار، يخف القلق تدريجيًا عندما نتأكد أن الآخر يحبنا ولا داعي لننجز أو لنظهر أفضل ما فينا. متى نكف عن بذل المجهود وهل الأمان هذا شيء جيد؟ هل نواصل المتعة بعده؟
في بعض الأوقات يبقى القلق قائمًا، طوال العلاقة حالة مستمرة من الشعور بعدم التأكد. حالة مستمرة من محاولات القيام بالأمور الصحيحة وبذل الجهود.
هل العلاقات مساحات الأمان التي نستطيع داخلها أن نرتاح ونتفرفد ونخطئ وننزل إلى الدرك الأسفل لأننا مطمئنون أن أحدهم سينتشلنا ويكون بقربنا دائمًا؟ أم ساحة للقلق الذي يدفعنا دائمًا للبحث عن حالة أخرى ولننتشل أنفسنا بنفسنا ونكون أنفسنا التي تحاول كل يوم؟ أم أن هناك حالات توازن بين الطمأنينة وحالة الطفيلي المرعبة؟


يقدم علم النفس الحديث نظرية لأشكال التعلق في العلاقات. تربط ماري أينسوورث وجون بولبي بين علاقاتنا بمقدمي الرعاية/ الأهل في الطفولة وبين شكل التعلق الذي سنطوره في علاقاتنا لاحقا.
إذا كان في علاقتنا بهم أمان وحماية وقرب كاف وتلقينا حاجاتنا الأساسية معهم فإن شكل تعلقنا سيكون لاحقًا آمنًا. تواصل طبيعي مع الآخر، تعبير عن مشاعرنا، احساس بالحميمية دون تملك، اهتمام بالآخر والعلاقة دون أن يشعر أنها نهاية الكون إن انتهت.
كم فردًا في هذا العالم سيحظى بأهل مطمئنين وشريك لديه أيضًا نمط تعلق آمن ويعيش علاقاته بهذا الشكل؟ ومن لم يحظى بذلك على ماذا يحصل؟ لدينا خيارات أخرى. يمكن أن نحصل على التعلق القلق أو على التعلق المتجنب أو التعلق الخائف. وسينعكس كل منها على ديناميكية علاقاتنا وتصرفاتنا فيها.
بحسب النظرية يشعر الأشخاص الذين لديهم تعلق قلق، بقلة ثقة بأنفسهم وتقدير سلبي لذاواتهم وسيحتاجون بشكل دائم لتأكيد الحب كي يشعروا بالأمان في علاقاتهم.
أما الذين لديهم تعلق متجنب، فلديهم ثقة بأنفسهم ولكنهم لا يقتربون من الآخرين بسهولة ويتجنبون الحميمية والقرب في العلاقات. أو ربما نحصل على مزيج من الاثنين.
وماذا يحصل في العلاقات؟ على الأرجح الأشخاص في العلاقة لن يكون لديهم/ن نفس أشكال التعلق وستولد ديناميكية غريبة من اختلاف أنماط التعلق بينم/ن.
إما يقتربون بشكل كبير وتختفي كياناتهم/ن أو يدخلون في دوامة من البعد والقرب وعدم القدرة على ايجاد المساحة الطبيعية لكل منهم/ن.
ماذا نحن؟ وما هو احتمال أن نكون الأشخاص بالتعلق الآمن؟
وما احتمالات أن نعيش ونجد لأنفسنا حيوات وعلاقتنا مطمئنة عندما نعرف أشكال تعلقنا غير المطمئنة؟
هل المثالية أن نكون في فقاعة العلاقات الآمنة؟ أم المثالية أن نعيد انتاج طريق ما بما نعرفه عن أشكال تعلقنا ومخاوفنا؟

أترك تعليق